العلامة المجلسي

314

بحار الأنوار

معصيته ؟ وكيف قال : " لقد جئت شيئا إمرا " و " شيئا نكرا " وما أتى العالم منكرا على الحقيقة ، ( 1 ) وما معنى قوله : " لا تؤاخذني بما نسيت " وعندكم أن النسيان لا يجوز على الأنبياء ؟ ولم نعت موسى عليه السلام النفس بأنها زكية ولم تكن كذلك على الحقيقة ؟ ولم قال : " فخشينا " فإن كان الذي خشيه الله تعالى ما ظنه قوم فالخشية لا تجوز عليه تعالى ، وإن كان هو الخضر فكيف يستبيح دم الغلام لأجل الخشية والخشية لا تقتضي علما ولا يقينا ؟ قلنا : أما العالم الذي نعته الله في هذه الآيات فلا يجوز إلا أن يكون نبيا فاضلا وقد قيل : إنه الخضر عليه السلام ، وأنكر أبو علي ذلك وزعم أنه ليس بصحيح ، قال : لان الخضر يقال : إنه كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام ، وليس يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى عليه السلام وأرشد موسى عليه السلام إليه ليتعلم منه ، وإنما المنكر أن يحتاج النبي في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم ، وأما أن يفتقر إلى غيره ممن ليس له برعية فجائز ، وما تعلمه من هذا العالم إلا كتعلمه من الملك الذي يهبط إليه بالوحي ، وليس في هذا دلالة على أنه كان أفضل من موسى في العلم ، لأنه لا يمتنع أن يزيد موسى عليه السلام عليه في سائر العلوم التي هي أفضل وأشرف مما علمه . ( 3 ) وأما نفي الاستطاعة فإنما أراد بها أن الصبر لا يخف عليك ، وأنه يثقل على طبيعتك ، كما يقول أحدنا لغيره : إنك لا تستطيع أن تنظر إلي ، وكما يقول للمريض الذي يجهده الصوم وإن كان عليا قادرا : إنك لا تستطيع الصيام ولا تطيقه ، وربما عبر بالاستطاعة عن الفعل نفسه ، كما قال الله تعالى حكاية عن الحواريين : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ( 3 ) " فكأنه على هذا الوجه قال له : إنك لن تصبر ولن

--> ( 1 ) في نسخة : في الحقيقة . ( 2 ) في المصدر هنا زيادة وهي : فقد يعلم أحدنا شيئا من المعلومات وإن كان ذلك المعلوم يذهب إلى غيره ممن هو أفضل منه وأعلم . ( 3 ) المائدة : 112 .